الأسئلة و المقالات : - المقالات

تجميد البويضات

تجميد البويضات


 

يظل حُلُم الإنجاب يداعب خاطر معظم السيدات، فالمال والبنون زينة الحياة الدنيا، ولكن قد يبدأ هذا الحلم بالتحُّول إلى سراب كلما تقدمت السيدة في العمر أو انشغلت في هذا العالم السريع بطموحاتها الأخرى، فنحن في عصر سبقت الكثير من النساء بعض الرجال في عالم التجارة بل وحتى الصناعة، كما أن هناك العديد من السيدات اللاتي لم يكتب لهن القدر اللقاء بالرجل المناسب الذي ترضى به زوجاً لها أو أباً لأطفالها ... ولكن جاء الطب الحديث ليمحي شبح "فات القطار"، وفي هذا الموضوع كان لقائنا مع الدكتور فواز أديب إدريس استشاري النساء والولادة والحمل الحرج وطب الأجنة والعقم وأطفال الأنابيب والمناظير، الأستاذ المساعد بجامعة أم القرى، ورئيس وحدة الإخصاب والذكورة بالمركز الطبي الدولي بجدة ...

-      أولاً دكتور، ما معنى كلمة تجميد البويضات؟

التجميد هو حفظ البويضات خارج الجسم، حتى نتمكن من استخدامها في المستقبل لإحداث الحمل بواسطة تقنية أطفال الأنابيب، عند الرغبة بذلك.

-         هل هي طريقة مشابهة لتجميد الأجنة؟

نعم، هي نفس الطريقة "الحديثة" لتجميد الأجنة، وهيَ ما نسمّيها ڤتريفيكيشن (Vetrification) والتي نقوم من خلالها بخفض درجة حرارة البويضات أو الأجنة إلى (-196 درجة مؤية) خلال دقيقة واحدة، ثم نحفظها في أنابيب زجاجية خاصة (مصاصات) توضع في سائل النيتروجين (Liquid Nitrogen) داخل حافظات مخصصة لذلك، وعند رغبة السيدة في استخدامها لاحقاً، نقوم بإذابة (فك) التجميد باستخدام مواد و تقنية خاصة لذلك.

 

-         إن كانت هي نفس طريقة تجميد الأجنة، فلماذا لم نسمع عن تجميد البويضات إلاّ حديثاً بالرغم من أننا نسمع عن تجميد الأجنة منذ عدة سنوات؟

في السابق كانت الأجنة تحفظ أو تجمّد بطريقة التبريد البطيئ (SlowFreezing)، وبالرغم من أن هذه التقنية خدمت البشرية لعدة سنوات، لكنها لم تكن مناسبة لتجميد البويضات، لأن البويضات هي أكثر "رقّة" من الأجنة، وكانت احدى مشاكل التجميد البطيئ هو تكُّون الكرستالات (Crystals) داخل بعض الأجنة، مما قد يؤدي إلى تلف تلك الأجنة عند تجميدها أو على عدم قدرتها على الحياة أو الانقسام عند إذابة التجميد، وهذا هو السبب في أن 50% فقط من الأجنة المجمدة بتلك الطريقة "القديمة" تصمد بعد إذابة التجميد، وأن نسبة الحمل بتلك الأجنة هو أقل بنسبة 50% من نسبة الحمل بالأجنة التي لم تتعرض للتجميد (Fresh Embryos) ... لتقريب الفكرة، الكرستالات هي ما تشاهدين على أي سطح زجاجي (كأس على سبيل المثال) عندما تخرجينه من الفريزر (Freezer) ... بالتالي كانت هذه الكرستالات أحد أكبر الأسباب لتلف بعض الأجنة،كما كانت تُمثل عائقاً كبيراً لتجميد البويضات.

 

-         هل تقصد أن الطريقة الحديثة للتجميد (Vetrification) حلت هذه المشكلة؟

بالظبط، فهذه طريقة تجميد سريعه جداً (دقيقة واحدة) مقارنة بطريقة التجميد القديمة (التجميد البطيء) والتي تستغرق عدة ساعات، وبالتالي فإن هذه المدة القصيرة جداً للتجميد لا تترك مجالاً للكرستالات (التي تحدثنا عنها) في التكوُّن، وعليه استطاعت هذه التقنية مساعدتنا في تجميد البويضات وأيضاً حسّنت نتائج تجميد الأجنة، فبالمقارنة بالأرقام أعلاه، نجد أن 85% من الأجنة المجمدة بالطريقة الحديثة تصمد بعد إذابة التجميد، وأن نسبة الحمل بهذه الأجنة مقاربة (ولكنها أقل بقليل) من نسبة الحمل بالأجنة الغير مجمدة (Fresh Embryos).

 

-         هذا شيء جميل، ولكن هل نسبة الحمل بالبويضات المجمدة عالية أيضاً؟

نعم، فبعد قدرة الله تمكنت الطرق الحديثة من الوصول لنسب حمل بالبويضات المجمدة مقاربة لنسب الحمل بالبويضات التي لم تتعرض لعملية التجميد ... ومن المهم أيضاً معرفته هو أنّ فرصة الحمل بالبويضة المجمدة يعتمد على جودة البويضة وقت تجميدها (والتي تعتمد على عمر السيدة وقت سحب البويضات) وليس على عمر السيدة وقت إرجاع الأجنة!

-   هل هذا يعني أنه بالنسة لسيدة في عمر الـ 44، ستكون فرصة حملها ببويضة سُحِبت لها وهي في عمر الـ 34، أعلى من فرصة حملها "بالطريقة الطبيعية" في عمر الـ44؟

بالظبط! فقد لا تكون هناك فرصة لتلك السيدة بالحمل الطبيعي إن تأخر زواجها لعمر الـ 44، ولكن لو كان لتلك السيدة بويضات سُحِبَت وجُمِّدت لها وهيَ في عمر الـ 34، ففرصتها للحمل بتلك البويضات (بعد تلقيحها) أكبر بكثير ... والأهم من ذلك أيضاً هو أن فرصة الإجهاض بحمل طبيعي في عمر الـ 44 أعلى من فرصة الإجهاض في ذات العمر لو أن الحمل حدث ببويضة سُحِبت لتلك السيدة عندما كان عمرها 34 سنة، والسبب هو أن معظم أسباب الإجهاض ترجع لوجود خلل في الكروموسومات، ونحن نعلم أنه كلما تقدّم العمر (أو بالأصح كلما تقدّم عمر البويضة)، زادت فرصة الحمل بجنين به خلل في الكروموسومات، وبالتالي تكون فرصة الإجهاض أعلى للسيدة في عمر الـ 44 لو أن حملها حدث بشكل طبيعي، أما فرصة إجهاض هذه السيدة نفسها في حال أنها حملت ببويضة سُحِبت لها عندما كان عمرها 34 هو نفس نسبة الإجهاض للسيدات في عمر الـ 34، والذي يعتبر أقل بكثير!

-         هذا جميل جداً، ولكن هل من الممكن أن تعيش البويضات لهذه الفترة من التجميد؟

بالتأكيد، فهناك العديد من الدراسات التي أثبتت أنه يمكن تجميد البويضات عدة سنوات دون التأثر على جودتها أو نسبة الحمل الناتجة عنها.

 

 

 

-         هل هناك ضرر على البويضات المجمدة أو الأطفال الناتجة عنها؟

لا، لم تُثبت أي من الدراسات حتى يومنا هذا ارتفاع في نسبة التشوهات الخلقية أو تشوهات الكروموسومات عند الأطفال "الناتجين" من بويضات مجمدة.

-         بمن تنصح بأن تقوم بتجميد بويضاتها؟

هناك حالات طبية وحالات اجتماعية، فمن الحالات الطبية على سبيل المثال السيدة التي تحتاج لعلاج كيميائي (كيماوي) أو اشعاعي لعلاج السرطان، حيث أن هذان العلاجان يلحقان الضرر بالمبايض والبويضات، وبالتالي ننصح في مثل تلك الحالات بتأجيل علاج السرطان لمدة اسبوعين إلى أربع أسابيع (إن كانت حالة المريضة الصحية تسمح بذلك)، حتى نتمكن من تنشيط المبايض وسحب البويضات، وبالتالي نكون قد قدّمنا أملاً كبيراً لهذه السيدة بأن تنجب في المستقبل، خاصة إذا كانت نوعية مرض السرطان لديها مستجيباً للعلاج وكانت تلك السيدة في حالة صحية جيدة عند رغبتها في الحمل ... أما من الناحية الإجتماعية، فيمكن لأي سيدة غير متزوجة تقدمت في العمر أن تقوم بتجميد بويضاتها إذا خافت من "فوات القطار"، حتى تزيد من فرصة حملها في حال تأخر زواجها لسن متقدم ... يُفَضَّل سحب وتجميد البويضات قبل عمر الـ 35، ولكن يمكن سحب البويضات حتى في سن متقدم (أكبر من 35 سنة) طالما أن تلك السيدة لا تزال لديها بويضات ... بالمناسبة، عندما أقول تقدمت في العمر، أنا أقصد "في العمر القابل للحمل"، لأن السيدة في عمر الـ 40 ما تزال صغيرة، ولكن بالنسبة للحمل تُعتبر "كبيرة".

-         ماذا تقصد بتنشيط المبايض ... أقصد كم بويضة يمكن للسيدة أن تُجمِّد؟

كما ذكرت، نحن نقوم بتنشيط المبايض حتى تنتج عدد كبير من البويضات، ثم نقوم بسحب البويضات ومن ثم تجميدها وحفظها في مجموعات مكونة من 5 بويضات على سبيل المثال (بحسب الجودة)، وعند الرغبة في استخدامتلك البويضات،لاحقاً نقوم بإذابة مجموعة واحدة فقط، بحيث أنه إذا تَكَّون لدينا جنينين أو ثلاثة بحالة جيدة، فهذا يكفي، وبالتالي نستطيع استخدام المجموعات الأخرى في المستقبل لإحداث الحمل بطفل آخر، أو بطفل "أول" إذا لم تكلل المحاولة الأولى بالنجاح.

-   هل يُنقِص هذا التنشيط من عدد البويضات التي تمتلكها السيدة أو يؤدي إلى دخولها "سن اليأس" مبكراً، أو هل تؤثر هذه الهرمونات على صحتها أو جمالها؟

الجواب هو (لا) لجميع تلك الأسئلة، ويمكنني التفصيل والشرح لو كان حيّز المقابلة يسمح! ولكنني تحدثت بإسهاب عن هذه المواضيع من خلال حديثي عن أطفال الأنابيب في السابق، وللقارئة الكريمة إمكانية الحصول على كل تلك المعلومات من خلال موقعي على الإنترنت أو الفيس بوك.

-   هذا لطف منك دكتور، ولكن سؤالي الآن: ما هي الصعوبات أو هل يمكن لأي سيدة أن تقوم بهذه العملية؟

لا يوجد هناك أي صعوبات من الناحية "التكنيكالية" ولكن المعضلة الوحيدة التي قد تواجهنا هي في حالة السيدة التي لم يسبق لها الزواج، لأن سحب البويضات  (بالعادة) يكون عن طريق المهبل، وبالتالي فإنه في حالة السيدة العذراء لن نتمكن من سحب البويضات إلاّ لو كانت المبايض مرتفعة (أي قريبة من جدار البطن)، حيث يمكن في تلك الحالة أن نسحب البويضات بإدخال الإبرة عن طريق البطن.

-         هل تقصد أن السيدة ستحتاج لإجراء عملية أو التعُّرض لتخدير كامل؟

لا، هذه عبارة عن (Procedure) وليست (Surgery). أقصد أنها ليست عملية بمفهوم العملية المتعارف عليها، فسحب البويضات لا يحتاج لغرفة عمليات أو بنج عام (سواءً كان السحب عن طريق المهبل أو البطن)، وكنت قد تحدثت عن هذا الموضوع أيضاً بإسهاب عند حديثي عن أطفال الأنابيب.

 

 

 

-         هل هناك تحفُّظ شرعي أو أخلاقي لعملية تجميد البويضات؟

أنا لست مُشَرِّع، ولكن (بحد علمي) لم تصدر لجنة الإفتاء في المملكة العربية السعودية فتوى بتحريم هذه التقنية، مع العلم أنه تم إباحة ذلك من قِبَل العديد من المشايخ في الدول الأخرى، كما أنه لا يوجد هناك أي تحفُّظ أخلاقي طبي (Medical Ethics) تجاه هذه التقنية.

-         كلمة أخيرة دكتور فواز؟

اسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يبلّغنا من العلم ما نستطيع أن نخدم به البشرية، كما أسأله أن يمن على كل زوجين بنعمة الإنجاب وأن يصبِّر كل من لم يكتب الله لهم بالذرية ...                                                        

 

أستاذ مساعد بكلية الطب- جامعة أم القرى

رئيس وحدة الإخصاب والذكورة بمستشفى المركز الطبي الدولي

إستشاري أمراض النساء والولادة والحمل الحرج والأجنة والعقم وأطفال الأنابيب والمناظير

fedris@imc.med.sa